محمد بن جرير الطبري
160
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بطائفة صلاة الخوف ركعة ولم يقضوا ، وبطائفة أخرى ركعة ولم يقضوا . وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى وفيما ذكرنا كفاية عن استيعاب ذكر جميع ما فيه . وقال آخرون منهم : بل الواجب كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيها إذا أراد إقامة الصلاة بهم في حال خوف العدو إذا فرغت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلي صلاة الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم على ما أمرها به في كتابه أن تقوم في مقامها الذي صلت فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتصلى لأنفسها بقية صلاتها وتسلم ، وتأتي مصاف أصحابها ، وكان على النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت قائما في مقامه حتى تفرغ الطائفة التي صلت معه الركعة الأولى من بقية صلاتها ، إذا كانت صلاتها التي صلت معه مما يجوز قصر عددها عن الواجب الذي على المقيمين في أمن ، وتذهب إلى مصاف أصحابها ، وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت مصافة عدوها ، فيصلي بها ركعة أخرى من صلاتها . ثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مختلفون ، فقالت فرقة من أهل هذه المقالة : كان على النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من ركعتيه ورفع رأسه من سجوده من ركعته الثانية أن يقعد للتشهد ، وعلى الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية ولم تدرك معه الركعة الأولى لاشتغالها بعدوها أن تقوم فتقضي ركعتها الفائتة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم انتظارها قاعدا في تشهده حتى تفرغ هذه الطائفة من ركعتها الفائتة وتتشهد ، ثم يسلم بهم . وقالت فرقة أخرى منهم : بل كان الواجب على الطائفة التي لم تدرك معه الركعة الأولى إذا قعد النبي صلى الله عليه وسلم للتشهد أن تقعد معه للتشهد فتتشهد بتشهده صلاة الخوف ، فإذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من تشهده سلم ، ثم قامت الطائفة التي صلت معه الركعة الثانية حينئذ ، فقضت ركعتها الفائتة . وكل قائل من الذين ذكرنا قولهم روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبارا بأنه كما قال فعل . ذكر من قال : انتظر النبي صلى الله عليه وسلم الطائفتين حتى قضت صلاتهما ولم يخرج من صلاته إلا بعد فراغ الطائفتين من صلاتهما : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا مالك ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع : أن طائفة صفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة وجاه العدو ، فصلى بالذين معه ركعة ، ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم ، ثم جاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ، ثم ثبت جالسا ، فأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثني عبيد الله بن معاذ ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، قال : صلى النبي بأصحابه في خوف صلاة الخوف ، فجعلهم خلفه صفين ، فصلى بالذين يلونه ركعة ، ثم قام فلم يزل قائما حتى صلى الذين خلفه ركعة ، ثم تقدم وتخلف الذين كانوا قدامهم ، فصلى بهم ركعة ، ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ، ثم سلم . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا روح ، قال : ثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الخوف : " تقوم طائفة بين يدي الإمام وطائفة خلفه ، فيصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين ثم يقعد مكانه حتى يقضوا ركعة وسجدتين ، ثم يتحولون إلى مكان أصحابهم ، ثم يتحول أولئك إلى مكان هؤلاء فيصلي بهم ركعة وسجدتين ، ثم يقعد مكانه حتى يصلوا ركعة وسجدتين ثم يسلم " . ذكر من قال : كانت الطائفة الثانية تقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى يفرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ، ثم تقضي ما بقي عليها بعد : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، قال : سمعت القاسم ، قال : ثني صالح بن خوات بن جبير أن سهل بن أبي حثمة حدثه : أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام إلى القبلة يصلي ومعه طائفة